الرئيسة   »   مؤلفات الشيخ   »     ضوابط التكفير والتحذير من التسرع فيه  »   تتمة البيان في ضابط الحكم على الأعيان   »   أقوال أهل العلم المعاصرين في أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعًا

(أضيف بتاريخ: 2021/01/04)

بيانات الكتاب

تتمة البيان في ضابط الحكم على الأعيان

وصف مختصر:

فصل: أقوال أهل العلم المعاصرين في أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعًا

المؤلف:

فضيلة الشيخ محمد بن عبدالحميد حسونة $

الناشر:

لم يُطبع بعد!

حجم الكتاب:

وسط

عدد مرات القراءة:
قراءة

تحميل

( 1 MB )

قراءة

( 67 صفحة )
تتمة البيان في ضابط الحكم على الأعيان
  • +  تكبـير الخط
  • -  تصغيـر الخط

أقوال أهل العلم المعاصرين
تدور في فلك ما تقدم

في بيان‏: «منهج العلامة الألباني في مسائل التبديع والتعامل مع المخالفين‏»
وفيه‏: ‏«ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعًا».

قال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-:

‏«إذا كان هذا المخالف يخالف نصًّا:

أولا: لا يجوز اتباعه.

وثانيا: لا نبدع القائل بخلاف النص وإن كنا نقول إن قوله بدعة.

وأنا أفرق بين أن تقول فلان وقع في الكفر، وفلان كفر. وكذلك فلان وقع في البدعة، وفلان مبتدع

فأقول فلان مبتدع مش معناه وقع في بدعة، وهو مَن شأنه أنه يبتدع، لأن مبتدع اسم فاعل، هذا كما إذا قلنا فلان عادل ليس لأنه عدل مرة في حياته، فأخذ هذا اسم الفاعل، القصد أن المجتهد قد يقع في البدعة لكن لا إثم بها ولا أطلق عليه اسم مبتدع، هذا إذا خالف نصًّا» يعني: وكانت المسألة اجتهادية.

وبعد أن سئل –قدس الله تعالى روحه- عن قضية إقامة الحجة، قال: فإن عاند وأصرّ، فيُبدَّع..

وعُرض عليه –رحمه الله تعالى- الكلام الآتي: كما أنه ليس كل من أتى بكفر كافر، وليس كل من أتى بفسق فاسق، وليس كل من أتى بجاهلية فهو جاهلي أو جاهل، فكذلك ليس كل من أتى ببدعة فهو مبتدع لأنه ثمة فرقا عند أهل السنة بين من وقع في البدعة وبين من أحدث البدعة وتبناها ودعا إليها وهذا أمر متفق عليه.

فقال -رحمه الله تعالى ورفع درجاته-: «هو كذلك بلا شك».

قال بعد أن قرر أنه ليس كل من وقع في البدعة وقعت عليه البدعة‏: ‏«وأنت تعلم أن هناك في بعض الأئمة المتبعين اليوم والذين لا يشك عالم مسلم -عالم حقا – بأنه مسلم وليس هذا فقط بل وعالم فاضل، ومع ذلك فقد خالف الكتاب والسنة وخالف السلف الصالح في غير ما مسألة أعنى بذلك النعمان بن ثابت أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- الذي يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص مثلًا، ويقول لا يجوز للمسلم أن يقول أنا مسلم إن شاء الله، وأنه إذا قال إن شاء الله فليس مسلمًا.

لا شك أن هذا القول بدعة في الدين لأنه مخالف للكتاب والسنة، لكن هو ما أراد البدعة، هو أراد الحق وأخطأه لذلك ففتح هذا الباب من التشكيك في علماء المسلمين سواء كانوا من السلف أو من الخلف، ففي ذلك مخالفة لما عليه المسلمون وربنا عز وجل‏ يقول: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً‏ سورة ‏«النساء‏» الآية (115).

قال – رحمه الله تعالى‏: ‏«فأقول الأصل أن تكون الحجة قائمة على هذه الأصناف الثلاثة، هذا هو مناط الحكم، فإذا المسألة بعد تلك الأمثلة التي أوردناها، فمن كان على علم أو على ثقة بأن زيدا من الناس الحجة قامت عليه جاز تكفيره، جاز تفسيقه جاز تبديعه وإلا فلا هذا هو الصواب.

وقال -رحمه الله تعالى-‏: ‏«من المؤسف أن هناك نوعا من التفرق ونوعًا من التنازع لأسباب تافهة جدًّا، لذلك يجب أن نضع نصب أعيننا ما يسمى اليوم في لغة العصر الحاضر بالتسامح الديني، لكن بالمعنى الذي يسمح به الإسلام، التسامح الديني قد وسعت دائرته إلى حيث لا يسمح به الإسلام، ولكن نحن نعني التسامح بالمعنى الصحيح، وذلك أننا إذا رأينا شخصًا من غير السلفيين فضلًا عمن كان من السلفيين أن له رأيًا خاصًّا أو اجتهادًا خاصًّا أو … بل رأيناه أخطأ فعلًا في شيء من تصرفاته ألا نبادر إلى نهره، ثم إلى مقاطعته بل يجب علينا أن نسلك طريق النصح الذي ابتدأنا به هذه الكلمة بالحديث الدين النصيحة الدين النصيحة، فإن نصحناه وتجاوب معنا ذلك ما كنا نبغ وإن لم يستجب فليس لنا عليه من سبيل، ولا يجوز لنا أن نبادره أو نقاطعه، بل علينا أن نظل معه نتابعه بالنصيحة ما بين الفينة والفينة وما بين آونة وأخرى حتى يستقيم على الجادة».

أورد السائل ما يستدل بها البعض على وجوب هجر المبتدع كالآثار المنقولة عن بعض السلف.

فقال –رحمه الله تعالى-‏: ‏«الذي أراه والله أعلم أن كلام السلف يرِد في الجو السلفي يعني الجو العامر بالإيمان القوي والاتباع الصحيح للنبي والصحابة، هو تماما كالمقاطعة، مقاطعة المسلم لمسلم تربيةً وتأديبًا له، هذه سنة معروفة، لكن في اعتقادي وكثيرًا ما سئلت فأقول زماننا لا يصلح للمقاطعة، زماننا إذن لا يصلح لمقاطعة المبتدعة لأن معنى ذلك أن تعيش على رأس الجبل، أن تنزوي عن الناس وأن تعتزلهم ذلك أنك حينما تقاطع الناس إما لفسقهم أو لبدعتهم لا يكون ذلك الأثر الذي كان يكون له يوم كان أولئك الذين تكلموا بتلك الكلمات وحضوا الناس على مجانبة أهل البدعة.

ولما سئل عن الثناء عمن وقع في البدعة قال‏: ‏«الجواب يختلف باختلاف المقاصد، إذا كان المقصود بالثناء على مسلم نظنه مبتدعا ولا نقول إنه مبتدع … فإذا كان المقصود بالثناء عليه هو الدفاع عنه اتجاه الكفار فهذا واجب، وأما إذا كان المقصود بالثناء عليه هو تزيين منهجه ودعوة الناس إليه ففيه تضليل لا يجوز‏» «منهج العلامة الألباني في مسائل التبديع والتعامل مع المخالفين‏» لمحمد حاج عيسى الجزائري.

وقال العلامة الألباني –رحمه الله تعالى- في بيان موقفه من مخالفه، مما له تعلق بعاليه‏: «موقفنا من المخالفين لنا في هذه المسألة وغيرها: إذا عرفت ذلك فلا يتوهمن أحد أننا حين اخترنا الاقتصار على السنة في عدد ركعات التراويح وعدم جواز الزيادة عليها أننا نضلل أو نبدع من لا يرى ذلك من العلماء السابقين واللاحقين كما قد ظن ذلك بعض الناس واتخذوه حجة للطعن علينا، توهما منهم أنه يلزم من قولنا: بأن الأمر الفلاني لا يجوز أو أنه بدعة أن كل من قال بجوازه واستحبابه فهو ضال مبتدع.

كلا، فإنه وهم باطل، وجهل بالغ؛ لأن البدعة التي يذم صاحبها وتحمل عليه الأحاديث الزاجرة عن البدعة إنما هي: ‏«طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه».

فمن ابتدع بدعة يقصد بها المبالغة في التعبد وهو يعلم أنها ليست من الشرع فهو الذي تنصب عليه تلك الأحاديث.

وأما من وقع فيها دون أن يعلم بها ولم يقصد بها المبالغة في التعبد فلا تشمله تلك الأحاديث مطلقا ولا تعنيه البتة.

وإنما تعني أولئك المبتدعة الذي يقفون في طريق انتشار السنة ويستحسنون كل بدعة بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير بل ولا تقليدًا لأهل العلم والذكر بل اتباعًا للهوى وإرضاء للعوام.

وحاشا أن يكون من هؤلاء أحد من العلماء المعروفين بعلمهم وصدقهم وصلاحهم وإخلاصهم ولا سيما الأئمة الأربعة المجتهدين -رضي الله عنهم أجمعين- فإننا نقطع بتنزههم أن يستحسنوا بدعة» إهـ ‏«رسالة التراويح‏».

وفي حوار آخر بين الشيخ الألباني رحمه الله تعالى وبعض طلبة العلم عن الترحم على أهل البدع.

قال‏: ‏«ما هي البدعة: هي الأمر الحادث على خلاف سنة النبي يريد بها صاحبُها أن يزداد تّقرباً إلى الله تبارك وتعالى.

فهل كلُ من ابتدع بدعة يكون مبتدعاً؟ أُريد أن أسمع الجواب باختصار.

السائل: لا.

الشيخ: إذاً من هو المبتدع؟

السائل: الذي تقام عليه الحجة ويصرّ بعد ذلك على بدعته.

الشيخ: حسناً فهؤلاء الذين نقول نحنُ عنهم لا يُترحم عليهم هل أقيمت الحجة عليهم؟ أنا أقول من عندي الله أعلم، فقل ما عندك.

السائل: كما قلت يا شيخ.

الشيخ: جزاك الله خيرًا، إذاً ما هو الأصل في هؤلاء الإسلام أم الكفر؟ الإسلام. إذاً الأصل أن يُترحم عليهم أليس كذلك إذاً انتهت القضية فلا يجوز أن نتبنى اليوم مذهباً فنقول لا يجوز الترحم على فلان وفلان وفلان من عامة المسلمين فضلاً عن خاصتهم فضلاً عن علمائِهم لماذا؟ لسبيبن إثنين وهذا تلخيص ما تقدم.

السبب الأول: أنهم مسلمون.

السبب الثاني: أنهم إن كانوا مبتدعين فلا نعلم أنه أقيمت عليهم الحجة وأصروا على بدعتهم وأصروا على ضلالهم.

لهذا أنا أقول: من الأخطاء الفاحشة اليوم أن الشباب الملتزم والمتمسك بالكتاب والسنة -فيما يظن هو- يقع في مخالفة الكتاب والسنة من حيث لا يدري ولا يشعر.

وبالتالي يحقُ لي على مذهبهم أن أُسميهم مبتدعة لأنهم خالفوا الكتاب والسنة، لكني لا أُخالف مذهبي الأصل في هؤلاء أنهم مسلمون وأنهم لا يتقصدون البدعة ولا يكابرون الحجة ولا يردون البرهان والدليل لذلك نقول أخطؤا من حيثُ أرادوا الصواب.

وإذا عرفنا هذه الحقيقه نجونا من كثير من الأمور الشائكة في هذا الزمان‏» إنتهى كلام الشيخ الالباني رحمه الله موقع ملتقى السلفيين نقلا عن موقع ‏«ملتقي طلاب الجامعة الإسلامية‏» من هنا.

قول العلامة الصالح محمد بن صالح ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-:

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى‏: ‏«كيف يتعامل الإنسان الملتزم بالسنة مع صاحب البدعة؟ وهل يجوز هجره؟

فأجاب:

أقول: إن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفرة، وبدع دون ذلك، وفي كلا القسمين يجب علينا نحن أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق ببيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعرف منهم الاستكبار عن قبول الحق؛ لأن الله تعالى قال للنبي – ﷺ‏: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم‏».

فندعوا أولاً هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته، والحق مقبول لدى كل ذي فطرة سليمة.

فإذا وُجد العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم، على أن بيان باطلهم في غير مجادلتهم أمر واجب.

أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة؛ فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره: إن كان في هجره مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه‏» «الفتاوى‏» (1/35).

وسُئِلَ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى‏: ‏«متى يبدَّع المخالف في مسائل العقيدة؟

فأجاب –رحمه الله تعالى-‏: ‏«إذا خالف طريق السلف فهو مبتدع، لكن قد يكون الشيء بدعةً ولا يسمى صاحبه مبتدعا، إما لعذر، أو تأويل، أو لغيره‏» «مزيل الإلباس في الأحكام على الناس‏» ص(220).

وقال – رحمه الله تعالى – بعد أن اعتذر لأحد العلماء الكبار، مقررا لما سبق‏: ‏«إننا لا نقول عن الحنفي -مثلا- إذا وافق الشافعية في قول أنه شافعي!» «الدفاع عن الألباني رحمه الله تعالى‏».

وفي إبطال قواعد عدنان عرور البدعية، قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله تعالى– وسئل:

‏«السائل: القاعدة الخامسة تقول: يشترط بعضهم في من يسمع من شخص خطأ أو وقف على أخطاء أو بِدع في كتاب أن يستفصل أو ينصح قبل أن يحكم، وقبل أن يبين هذه الأخطاء والبدع‏؟».

الشيخ: «هذا صحيح‏» «ردود الإمام ابن عثيمين على رؤوس أهل البدع‏» لعبد الله شكيب السلفي ص(22).

وسئل الشيخ النجمي -حفظه الله تعالى- في ‏«الفتاوى الجلية‏» الجزء الثاني:

‏«السؤال(93): ما هو ضابط البدعة، و متى يجوز لي أن أصف الشخص بها؟

الجواب:

أولًا: البدعة هي الإحداث في الدين بما لم يكن منه.

ثانيًا: الوصف بالبدعة، وهجر المبتدع هذا يكون من بدعه العلماء، ولا تتسرعوا أنتم أيها الطلاب الصغار بالحكم على أي شخص بالتبديع حتى ولو كان عنده بدعة حتى تعرضوا ذلك على العلماء، ويؤيدونكم فيه، بدون هذا لا تفعلوا شيئا من ذلك‏».

وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى-: ‏

«لقد ظهر بين طلاب العلم اختلاف في تعريف المبتدع‏.‏ فقال بعضهم‏:‏ هو من قال أو فعل البدعة، ولو لم تقع عليه الحجة، ومنهم من قال لا بد من إقامة الحجة عليه، ومنهم من فرَّق بين العالم المجتهد وغيره من الذين أصلوا أصولهم المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة وظهر من بعض هذه الأقوال تبديع ابن حجر والنووي، وعدم الترحم عليهم‏.‏ نطلب من فضيلتكم تجلية هذه المسألة التي كثر الخوض فيها‏.‏ جزاكم الله خيرًا‏؟‏

الجواب:

أولاً‏: لا ينبغي للطلبة المبتدئين وغيرهم من العامة أن يشتغلوا بالتبديع والتفسيق؛ لأن ذلك أمر خطير وهم ليس عندهم علم ودراية في هذا الموضوع، وأيضًا هذا يحدث العداوة والبغضاء بينهم..

فالواجب عليهم الاشتغال بطلب العلم وكف ألسنتهم عما لا فائدة فيه، بل فيه مضرة عليهم وعلى غيرهم‏.‏

ثانيًا‏: ‏ البدعة‏:‏ ما أحدث في الدين مما ليس منه، لقوله :‏ ‏‏« من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد‏‏» ‏ ‏‏رواه الإمام البخاري في ‏‏» ‏صحيحه‏‏» ‏(‏3/167‏)‏ من حديث عائشة رضي الله عنها‏، وإذا فعل الشيء المخالف جاهلاً فإنه يعذر بجهله ولا يحكم عليه بأنه مبتدع، لكن ما عمله يعتبر بدعة‏.‏

ثالثًا‏:‏ من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره كابن حجر والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات لا يحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال ‏:‏ هذا الذي حصل منهما خطأ ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنة رسول الله ، فهما إمامان جليلان موثوقان عند أهل العلم‏‏» «المنتقى من فتاوى (الشيخ ) الفوزان‏» (2/181).

وقال -حفظه الله تعالى- في رسالته ‏«التكفير و ضوابطه»: «فمن جاء بعبادة ليس عليها دليل من كتاب الله و سنة رسول الله فإنها بدعة مردودة على صاحبها مهما كان صاحبها، من العبادة والزهد.

من جاءنا بشيء قال: هذا طيب، وهذه عبادة، هذا ذكر، ينظر إن كان عليه دليل فعلى الرأس والعين، وإن كان ما عنده دليل رفضنا قوله، وإن كان من أكثر الناس علما.

لا ننظر للشخص وإنما ننظر إلى الدليل من كتاب الله و سنة رسوله ﷺ، ولا يمكن أن تحكم على شخص معين بأنه مبتدع إلا إذا أتى بشيء في الدين ليس عليه دليل من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ، ولا تحكم على الناس بشيء تجهله أنت أو لا تعرفه، أنت تعرف كل الدين، ولا تعرف كل ما جاء عن الله ورسوله ، لا يجوز الحكم على الناس بالبدعة حتى إلا إذا أتوا بشيء من الدين لم يوجد عليه دليل من كتاب الله وسنة رسوله .

فعليك بالتثبت، لا تحكم على الناس بأنهم مبتدعة إلا بعد أن يثبت لديك بأن هذا الذي جاءوا به ليس عليه دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، أو حكم عليه العلماء بأنه بدعة، فأنت تقول: قال العلماء بأن هذا بدعة.

أما أن تحكم بدون تثبت وبدون روية وبدون الرجوع إلى كلام أهل العلم:

فهذا أكبر غلط.

وهذا يسبب تفرقة المسلمين.

ويولد العداوة بين المسلمين.

ويسبب أضرار كثيرة.

ويسبب إساءة الظن بين الناس بعضهم مع بعض.

فلا تبدع أحدا بغير دليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله أو إجماع المسلمين، على أن هذا الأمر بدعة فحينئذ تناقش هذا الشخص وتبين له.

لعله فعل هذا عن جهل.

لعله قلد أحدا يظنه حقا.

لعل له عذرا، تبيّن له.

فإن أصرّ بعد البيان تحكم عليه بأنه مبتدع، لأنه أصرّ على شيء ليس من الدين فيكون مبتدعا. فالأمر يحتاج إلى تثبت يحتاج إلى روية وعدم التسرع.

الآن كثر الجهل في الناس وكثر من يدعون العلم وكثر القراء وقل الفقهاء كما أخبر النبي فيجب على المسلمين أن يتثبتوا في الأمر، وأن لا يتسرعوا في أحكام الدين وفي التكفير و التبديع أو غير ذلك حتى يثبت عندهم الحكم الشرعي من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، أو إجماع أهل العلم، فهذا أمر خطير و لا يجوز لغير العلماء الكلام فيه‏».

وسئل الشيخ ربيع السنة -حفظه الله تعالى-:

‏هل الهجر يكون لكل مخطئ؟

فكان مما أجاب -حفظه الله تعالى- مما له تعلق بالباب‏: «فأقول إذا كان هذا الإنسان سلفيًّا ووقع في خطأ قد يكون هذا الخطأ غير بدعة فيظن هذا أن هذا بدعة وهذا ما يدرى فهذا لا يبث في القضية من عنده وإنما يعرض المشكلة على أهل العلم ‏«فاسألوا أهل الذكر» انتهى ‏«القول البديع» للعلامة ربيع في مسألة الهجر و التبديع.

وسئل فضيلة الشيخ عبيد الجابري -حفظه الله تعالى-:

يتردد هنا في بريطانيا كثيراً عن الجرح والتعديل1 وبعض طلبة العلم أو بعض المنتسبين إلى العلم يظن أن له الحق أن يجرح حتى لو كان عنده جرح مفسر يا شيخ؟.

فقال – حفظه الله تعالى: هو في الحقيقة يفرق، بارك الله فيكم، بين ردّ المقالة وجرح القائل، فرد المقالة هذا الأمر فيها واسع، ما يخالف الكتاب والسنة يُرد على صاحبه، ولا يقبل منه كائناً من كان.

لكن جرح القائل الذي أظهر مقالة مخالفة، هذا لا تستعجلوا فيه، بارك الله فيكم، بل أؤكد عليكم – وأنتم إن شاء الله، والله أنا لكم ناصحون، وأنا نحب لكم من الخير ما نحبه لأنفسنا وأبنائنا الذين هم من أصلابنا، فنحرص على اجتماع كلمتكم، ونخشى من التفرق – ردوا إلى أهل العلم، ردوا الأمر إلى أهل العلم، من تثقون في دينه وأمانته.

فالسلفي بشر. ينسى أحياناً. ويخطئ أحياناً. ويجهل أحياناً. ينسى، يحصل عنده أمور، قد يغضب.

فأنت لا تنسى جرح المقال، هذه مقالة مخالفة للسنة، هذا الفعل مخالف للسنة، هذا القول قول المبتدعة، هذا لا مانع منه، إذا كنت تحسن، وعندك ولله الحمد سنة، رأيت أن هذا القول مخالف للسنة.

فعلى سبيل المثال، لو أن خطيباً فسر على المنبر ‏«استوى‏» استولى، قال ‏«استوى‏» أي أحكم القبضة، فإنك تستطيع أن تردّ عليه، وتقول هذا كلام المعطلة، وهذا (قول ) الأشاعرة، وهذا بدعة، وهذا تأويل لاستواء، والاستواء صفة من صفات الله، وهذا تأويل له.

لكن الحكم على القائل هذا الشخص بأنه مبتدع ضال، فهذا لا تتعجلوا فيه، يناصح، ويبيّن له، وتستشيرون بارك الله فيكم أهل العلم الذين تثقون بهم، فربما أن هذا الرجل رجع، فكم من إنسان تُعُجِل في جرحه ورجع، قال: والله أنا أخطأت، مادام هذا الكلام مخالفاً لعقيدة السلف، فأنا راجعٌ عنه فلا تتعجلوا بارك الله فيكم في جرح الأشخاص‏» «شريط أسئلة شباب مدينة برمنجهام – بريطانيا، مقال بعنوان: التبصير. بما قاله العلامة عبيد فى الهجر والزجر والتحذير‏» بتصرف من ‏«شبكة سحاب‏» الخير. من هنا.

وقال الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله تعالى-:

عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ‏سورة‏ «الفرقان‏» الآية(20)‏: ‏«علمنا من هذه الآية وغيرها أن الله تعالى يمتحن عباده ويختبرهم ليظهر حقائقهم، فلنقتد به تعالى في هذا، فنبني أمورنا على الإمتحان والإختبار2 فلا نقرر علماً، ولا نصدر حكما إلا بعد ذلك، وخصوصا في معرفة الناس والحكم عليهم، فالظواهر كثيرا ما تخالف البواطن، والتصنّع والتكلف قلّما يسلم منهما أحد، ولا يعصم من الغطا مع هذه المغالطات كلها إلا الإمتحان والإختبار فاعتصم بهما‏» «مجالس التذكير‏» ص(243) طبع وزارة الشؤون الدّينية.

والشاهد: الاتفاق بعدم اعتبار الظاهر للحاجة إلى معرفة البواطن في استصدار الأحكام: ومنها الحكم بالتبديع.

وسبيل ذلك شيئان لا ثالث لهما:

أولهما: الوحي، وقد انقطع.

والثاني: إعراب اللسان عما في الجنان –بغض النظر عن الموافقة أو المخالفة- ومن ثم الحجج فالحكم.

وتأويلا لم تقدم: كان الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-‏: ‏«ينهى النهي الشديد عن الأهواء، ويقول أحدهم إذا خالفه صاحبه، قال‏: ‏«كفرت، والعلم إنما يقال فيه: أخطأت‏» «آداب الشافعي ومناقبه‏» لابن أبي حاتم ص (185) والنقل عن حاشية ‏«أحاديث في ذم الكلام‏» ص (81).

وقال الشيخ إبراهيم عامر الرحيلي – حفظه الله تعالى‏: ‏«لا يبدع أحد من أهل السنة أو يحكم بخروجه من دائرة أهل السنة بمجرد خطئه في الاجتهاد:

لا يحكم على أحد من علماء أهل السنة ونظارهم أو حكامهم بأنه مبتدع أو خارج عن أهل السنة والجماعة، بسبب خطئه في الاجتهاد سواء كان ذلك الاجتهاد في مسألة من مسائل العقيدة والتوحيد، أو في مسائل الحلال والحرام مما كثر فيه الاختلاف بين علماء الأمة؛ لأنه إنما قصد الحق وطلبه، وهذا الذي أداه إليه اجتهاده، فهو معذور في ذلك بل مأجور على اجتهاده، فكيف يقال بتبديعه أو تفسيقه.

وهذه المسألة من المسائل العظيمة التي يقررها أهل السنة ولم يخالف فيها أحد من علماء المسلمين المعتد بأقوالهم، وإنما خالف فيها أهل البدع، من الخوارج، والمعتزلة، ومن تأثر أو انخدع بأقوالهم من عوام المسلمين‏» «موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع‏» للدكتور إبراهيم عامر الرحيلي (1/64-65) الطبعة الثانية لمكتبة العلوم والحكم عام 1422هـ.

وقال –حفظه الله تعالى‏-: «وكذلك أقوال السلف وأفعالهم: دلت على عذر بعضهم بعضا في اجتهاداتهم، ولم يبدع أو يفسق بعضهم بعضا مع اختلافهم في مسائل عظيمة فكانوا لا يذكرون بعضهم إلا بخير مع استغفار كل واحد منهم لأخيه، وهذا من عظيم فقههم رضوان الله عليهم أجمعين‏» «موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء.‏» (1/68).

ثم قال‏: ‏«وهذا لا يعني عدم التنبيه على أخطاء العلماء ومناصحتهم في ذلك وبيان لحق للناس فإن هذا من أعظم واجبات أهل العلم الذين استحفظهم الله تعالى عليه كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ سورة ‏«آل عمران‏» الآية (187) ‏» «موقف أهل السنة.‏» (1/72).

وفي بيان أن البدع منها المكفرة ومنها المفسقة والضابط السلفي فيهما، قال – حفظه الله تعالى‏: «9- بيان موقف أهل السنة من تكفير أهل البدع وتفسيقهم، وأنه مبني على أصلين:

الأصل الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر –عند النظرف في مسألة التفكير- وموجب للفقه –عند النظر في مسألة التفسيق.

الأصل الثاني: انطباق الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم فيه شروط التكفير أو التفسيق وتنتهي موانعهما.

10- أن تكفير السلف لبعض فرق أهل البدع كالجهمية والقدرية المنكرين للعلم وغلاة الرافضة هو من باب التفكير المطلق الذي لا يلزم من تكفير كل أفراد تلك الفرق‏» «موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء‏» (2/715).

وقال الشيخ عبد السلام بن برجس -رحمه الله تعالى-:

في رسالة له بعنوان ‏«مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس‏» «فصل في الغلو في الحكم على الناس‏»:

وأما الغلو في الحكم على الناس: فهو مجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق.

فإن الحكم ﺑﻬذه الأمور على أحد من الناس إنما هو إلى الله تعالى ورسوله فمن دل الدليل القاطع على إلحاق هذه الأحكام به؛ ألحقت به، ومن لم يدل الدليل على لحوقها به؛ فإن تتريلها عليه من تعدي حدود الله تعالى، والقول عليه بغير علم، وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة ونخر في جسمها، وفرق جماعتها.

بل إن أول الغلو في الأمة إنما هو هذا، يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين، وحكام المسلمين بالكفر والخروج من الإسلام، فترتب على فعلهم هذا: إراقة دماء طاهرة مسلمة، وتمزق الجماعة، وانتشار التباغض والشحناء بين أهل الإسلام.

ومثل هذا يقال في التبديع بغير حق3 والتفسيق بغير حق، فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض، وهو سبيل إلى التكفير4 بغير حق.

وإذا كان النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري – منع من تتريل الحكم العام على شارب الخمر بأن تحل عليه لعنة الله، على الشخص المعين لما قام به من إيمان بالله ورسوله، فكيف يتسارع الغالون إلى تتزيل أحكام الكفر والفسق العامة على الأشخاص المعينين دونما روية وتؤدة؟!.

ونص الحديث كما في صحيح البخاري(32) عن عمر بن الخطاب‏: ‏«أنَّ رَجُلا كَان عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كان اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَان يُلقَّبُ حِمَارًا وَكَان يُضْحِكُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وكان النبي ﷺ قد جَلدَهُ فِي الشَّرَابِ، َفأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، َفَأمَرَ بِه، َفجُلِد. فَقَال رَجُل مِنَ الْقوْمِ: اللَّهُمَّ اْلعَنْهُ، مَا َأكْثرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لا تَلعَنُوهُ َفوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ َأنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُوَلهُ».

فتتريل هذه الأحكام على الشخص المعين لا بد لها من شروط تتوفر، وموانع تنتفي، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة.

ومن هذا المنطلق تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع.

من ذلك قول الحافظ الذهبي – رحمه الله تعالى‏: ‏«والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع» اهـ ‏«ميزان الإعتدال‏» (3/46).

وعليه.. أن الطعن بالابتداع حكم شرعي يحتاج إلى قيده.

كما أن القول بأن كل مخالفة بدعة، ومن ثم يبدع مرتكبها دون بيان، تقعيد قعيد ليس عليه دليل، والأدلة ترده، ومعلوم أن المخالفة قد يكون باعثها: الجهل أو الخطأ، أو النسيان، أو التأويل، أو الإكراه، أو العناد، أو الاستحلال، ولكل حكمه.

صبرًا.. صبرًا.. وإحسانًا

قال الله تعالى‏: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏ سورة ‏«يوسف‏» الآية(90).

قال العلامة شمس الدين ابن القيم -رحمه الله تعالى- في بيان مداخل الشيطان على الصالحين‏: ‏«إن أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيا عليه، سلّط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه ليشوش عليه قلبه ويشغل بحربه فكره وليمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه ولا يفترُ ولا يَنِيَ فحينئذ يَلبس المؤمنُ لأْمَةَ الحرْبِ ولا يضعُها عنه إلى الموتِ ومتى وضعها أُسِرَ أو أُصيْبَ فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله!!‏» «بدائع الفوائد‏» (2/245).

.أكرر: كان وراء ضعف البنيان العلمي، وغلبة الجهل، وشيوع مرضي الشهوات والشبهات، والكلام بغير علم، وطغيان الغلو، وانتشار التشدد، وسقط التسرع، وردود الأفعال الانفعالية، الحكم قبل التثبت، وعدم مراعاة الحال واعتبار قرائن الأحوال، وملابسات المقال، ومقدمات الأحكام، وأثر الزمان والمكان، خروج بعض من يحكمون على الأنام دون مراعاة لضوابط جريانها، فظلموا ثم ظلموا.

الأمر الذي استحلب ثدي البيان، الموجب لإمعان النظر في النصوص، والالتفات بل والالتفاف إلى قول من شابت بل شاخت لحاهم في العلم الصحيح، وانحنت ظهورهم من النظر في النصوص والآثار، وعُرفوا بها، وكثرت إصابتهم للحقـ وكُتب لهم القبول، فاجتمعت على كلمتهم القلوب، وتيممت وجهتهم صفي النفوس.

فمتى تنقشع تلك الغمامة، متى يجتث صنم الحكم على أشياء بأنها كفر، وما هي بكفر؟! وأخرى بأنها بدعة وليست بدعة؟!

إننا بحاجة إلى الغيرة في الدعوة للحق والذبّ عن أهله، غير أن الغيرة لا ينبغي أن تجنح بنا إلى المذمة.

نعم.. نحن بحاجة إلى الغيرة المحمودة لا المذمومة، كما أننا بحاجة إلى العاطفة، فيما بيننا، ومع إخواننا المخالفين من عموم المسلمين بل والكافرين إبان دعوتهم، لكن المنضبطة بالعلم الشرعي، المقيدة بالقيود الشرعية الرحبة الرحيمة.

يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته:

هَذَا وَإِنِّي بَعْدُ مُمْتَحَنٌ بِأَرْ *** بَعَةٍ وَكُلُّهُمُ ذَوُو أَضْغَانِ

فَظٌ غَلِيظٌ جَاهِلٌ مُتَمَعْلِمٌ *** ضَخْمُ العِمَامَةِ وَاسِعُ الأرْدَانِ

مُتَفَيْهِقٌ مُتَضَلِّعٌ بِالْجَهْلِ ذُو *** صَلَعٍ وَذُو جَلَحٍ من العِرْفَانِ

مُزَجَى البِضَاعَةِ فِي العُلُومِ وَإِنَّهُ *** زَاجٍ من الإِيهَامِ وَالْهَذَيَانِ

يَشْكُو إِلَى اللهِ الْحُقُوقَ تَظَلُّمًا *** من جَهْلِهِ كَشِكَايَةِ الأَبْدَانِ

من جَاهِلٍ مُتَطَبِّبٍ يُفْتِي الوَرَى *** وَيُحِيلُ ذَاكَ عَلَى قَضَا الرَّحْمَنِ

عَجَّتْ فُرُوجُ الْخَلْقِ ثُمَّ دِمَاؤُهُمْ *** وَحُقُوقُهُمْ مِنْهُ إِلَى الدَّيَّانِ

مَا عِنْدَهُ عِلْمٌ سِوَى التَّكْفِيرِ والتَّ *** بْدِيعِ والتَّضْلِيلِ والبُهْتَانِ

هذا.. وإن ما يستغرب في هذا الباب هو رجوع الطلبة للحق إبان سطوعه، وعناد وتخبط بعض المشايخ اندفاعًا وراء آرائهم، وانسياقًا خلف شبق شهوة، أو استسلامًا أمام حمم الغضب، فالسقوط في عماية الجهالة، والله تعالى المسؤول لرؤوس المسلمين بالهداية.

صفوة القول

في نقاط:

أولاً: دعوة عموم المسلمين لتحقيق التقوى فهي رأس الأمر، وعليها مدار سعادة الخلق.

ثانياً: ضرورة طلب العلم وفق الأصول السلفية السنية.

ثالثاً: الاستمساك بالوحي والاستسلام للنص واستصحاب فهم السلف الصالح الذي يدور في فلكه.

رابعاً: الأصل في معاملة المخالف والمؤالف الرفق5 والتودد في النصح استرضاء –دون مداهنة- واستصلاحًا6 وإنما يلجأ إلى الشدة والهجر إن كانا فيهما صلاحا، وإلا فلا، فهما والحالة هذه علاج تابع.

خامساً: أن نصح المؤالف والأخذ على يديه7وحجبه عن تبديع أعيان المخالفين بغير حق دون مراعاة لضابط توفر شروط التبديع وانتفاء موانعه لهو من تمام النصح، وواجب الحق والوقت بل وكل وقت.

سادساً: إننا في حاجة إلى الجد والاجتهاد في دعوة الناس وردّ شبه المناوئين، والذبّ عن شريعة رب العالمين، بل والعاطفة في ذلك، غير أن الجنوح يُكبح.

سابعاً: وهو متمم لما قبله، وهو أن الغيرة منها المحمودة ومنها المذمومة، وأن إهمال الضوابط الشرعية في الحكم على الأعيان8فيه إهدار لجهود النصوص والآثار، ومن ثم يتطاير الهمج ويكثر الهرج..

ثامناً: لا علاقة قط بين القول باعتبار الضوابط السابقة والردّ على مخالفها وبين التثبيط أو التخذيل، أو التمييع، إنما هو النصح والتبين، وتقديم النص على الهوى، ولا يضر والحالة هذه حزن حبيب، ولا يطمعن في مداهنةٍ، غريبٌ.

تاسعاً: إن عدم الرضا بإنزال حكم التكفير أو التبديع أو اللعن أو التفسيق على الأعيان دون التفات إلى شروطه وموانعه لا يلزم منه ترك قوله المسموم يسري في أدمغة المجتمع، وحممه تلهب نياط قلوب النصوص، ويأسف منه الحق، بل الواجب المتعين الإنذار والإعذار فإعلان النفير9 وصدّ العدوان على أن يكون الردّ علمياً موثقاً بعد تثبت10ومع استصحاب الرفق11 استجلابا للخير، وإلا.

عاشراً: ومع تتابع الملاحم، وتعاقب الجولات لإخماد نار الشبهات ودفع لهيب الشهوات، محبة في إيصال الخير للنسمات، لا ننس أن الأمر دين، وإذا كان ذلك كذلك، وهو كذلك وجب توفر شرطا القبول: الإخلاص والمتابعة12 مع دومومة التضرع وإعلان الافتقار للعزيز الغفار.

الحادي عشر: ليُعلَم أن اجتهادات العلماء والأئمة ليس منهجاً، المنهج: قول من معصوم، أو خبر عليه دليل معلوم.

قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-‏: ‏«إنما على الناس إتباع الآثار عن رسول الله ومعرفة صحيحها من سقيمها، ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله إذا لم يكن قول بعضهم لبعض مخالفا، فإن اختلف نظر في الكتاب، فأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به، فإذا لم يأت عن النبي ولا عن أصحاب النبي نظر في قول التابعين، فأي قولهم كان أشبه بالكتاب والسنة أخذ به وترك ما أحدث الناس بعدهم‏» «بدائع الفوائد‏» ص (1428).

الثاني عشر: أهل العلم لا يحابون أحدا أبداً في دين الله تعالى هم أهل النصيحة محبي الحق.

تأدبوا بأدب الله تعالى، ذلك لأن الله تعالى لا يحابي أحداً، بل يؤاخذ ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ سورة ‏«النساء‏» الآية(123) فهذه الأمة تعمل السوء فتجزى وتعاقب بالعذاب الذي هو الفرقة.

فنحن دعاة – بإذن الله تعالى- نرشد الضال، ونهدي الحيران، وندعوا الكافر، ونردّ المرتد، ونعالج الفاجر، ونداوي أنفسنا، ننساق ونسوق الجميع إلى الخير والبر، وفي الجملة نبذل الجهد في دفع الفرقة وإقامة الملة.

الثالث عشر: الرجل قد يكون صدِّيقًا عظيمًا، غير أنه ليس من شرط الصدِّيق أن يكون قوله كله صحيحًا، وعمله كله سنة، فحقه حق، ومخالفته تردّ بدليل وأدب.

هذا.. والله تعالى المسؤول أن يرفع عنا أسباب سخطه، ويأخذ بأيدينا ونواصينا إلى ما فيه رضاه، ويستعملنا لتحقيق محابه ونصرة أحبابه.

 

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى إخوانه وآله وصحبه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

كتبه

الفقير إلى عون مولاه

أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد حسونة

2/2/1429هـ – 12/2/2008م

  1. نذكر هذا حامدين لله تعالى شاكرين له ثم لكل بهلول قام به بشرطه وقيده، نذكر هذا نذكر معه – بكل عرفان – ما ذكر الشيخ مقبل – رحمه الله تعالى – محدث الديار اليمنية الميمونة‏: «. وأبى الله إلا أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته وأن يظهر الحق فأصبح أهل السنة يلهجون بالجرح والتعديل وكأنهم كانوا نياما فيسر الله لهم بمن يوقظهم، فما كانوا يتكلمون في الجرح والتعديل وكأنه خاص بزمن البخاري ومسلم…‏» «فضائح ونصائح» ص (112-116).

    وقال -رحمه الله تعالى‏-: «مسألة الجرح قصمت ظهورهم، وكل واحد حتى وإن لم نجرحه متوقع أن نجرحه اليوم أو غد أو بعد غد، ففي ‏«الصحيحين‏» عن معاوية-رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول اللهﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك‏» ورب العزة يقول في كتابه الكريم: {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} سورة ‏«الأنعام» الآية (19) فهل معنى أن الجرح والتعديل مقصور على القرن الثالث، وما بعده يكون حراماً، فأين دليلك والنبي يقول: ‏«من رأى منكم منكراً فليغره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏» والجرح له أصل أصيل من الكتاب والسنة» «فضائح ونصائح‏» ص (144-145).

  2. قلت: عفا الله تعالى عنه، لو استبدل كلمة الامتحان بالاستفسار كان التئام واتفاق، وكانت أدل وأوفق. واختبار الناس ليس لكل أحد، كما أنه ليس في كل حين، بل ضوابطة مزبورة، ولحظاته مرقومة.

  3. وفي اتباع الحق يقول شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى‏: «والله قد أمرنا ألا نقول إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني، فضلاً عن الرافضي، قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق‏» كتاب ‏«أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية‏».

  4. يقول شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى‏: ‏«فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض، الذين يكفّرون أئمـة المسلمين، لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ، وليس كُل مَن يُترك بعضُ كلامِه لخطأ أخطأه، يكفر، ولا يفسق، بل ولا يأثم، فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين‏: ‏{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} سورة «البقرة» الآية (286)، وفي الصحيح عن النبي قال‏: ‏«إن الله قال: قد فعلتُ‏».

    ويبين -رحمه الله تعالى- أنه ‏«ليس كل مَن خالف في شيء مِن هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته. وإذا كانت ألفاظ الوعيـــد المتناولــة له، لا يجــب أن يدخــل فيهــــا المتـــأول والقـــانـت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك، فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال: مَن صمت نجا».

    ونبّه -رحمه الله تعالى- إلى عظم مسألتي التكفير والتفسيق عمومًا، فقال‏: «اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام، التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة، والقتل والعصمة، وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرّم الجنة على الكافرين».‏

    حتى في العقوبة لما ذكر الحكم فرق فيه بين الإطلاق والتعيين‏: «ويقرر شيخ الإسلام أن القتل عقوبة تعزيرية، ذهب إليها الإمام مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم تشرع في حق (الداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد، فإن النبي قال: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» ‏وقال‏: ‏«لئن أدركتُهم لأقتلنهم قتل عاد». وقال عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عِسْل‏: ‏«لو وجدتك محلوقًا لضربتُ الذي فيــه عينــاك». ولأن علي بن أبي طـالب رضي الله عنه طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ، أول الرافضة، حتى هرب منه، ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قُتلوا، ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة، ولهذا ترك النبي قتل ذلك الخارجي ابتداءً، لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام، ولهذا ترك عليٌّ قتلهم أول ما ظهروا، لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا، وكانوا داخلين في الطاعة والجماعــة ظاهــرًا، لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم).

    فإن عقوبة الداعي، بأي نوع من العقوبات الزاجرة له ليست دليلاً على استحقاقه للإثم، فإنه قد يكون المعاقَب معذورًا، وفي هذا يقول شيخ الإسلام‏: ‏«يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم، وإن كان قد يكون معذورًا فيها في نفس الأمر، لاجتهاد أو تقليد‏».

    سلب العدالة منه، فإنه قد يكون المعاقَب عدلاً صالحًا ‏« ومن هذا هجر الإمام أحمد الذين أجابوا في المحنة -أي محنة القول بخلق القرآن- قبل القيد، ولمن تاب بعد الإجابة، ولمن فعل بدعة ما، مع أن فيهم أئمة الحديث والفقه والتصوف والعبادة، فإن هجره لهم والمسلمون معه، لا يمنع معرفة قدر فضلهم، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا، لما أمر النبي المسلمين بهجرهم، لم يمنع ذلك ما كان لهم من السوابق، حتى قد قيل: إن اثنين منهما شهدا بدرًا، وقد قال‏: ‏«كأن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم‏» بتصرف من «أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية‏» د.أحمد بن عبد العزيز الحليبي – من منشورات كتاب الأمة – وزارة الأوقاف – قطر.

  5. وقال – صلى الله تعالى عليه وإخوانه وآله وسلم – لعائشة – رضي الله تعالى عنه- عندما ردّت على اليهود‏: «مهلا يا عائشة؛ عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش‏» «صحيح الإمام البخاري‏» (6030).

    فإذا كان هذا مع قتلة الأنبياء، أمة الغضب، نقضة العهود، سمّاعوا الكذب أكلة السحت. إلخ، فكيف بالمخالف من أمة الخير، أمة الرحمة، الآخرون الأولون أمة الإجابة.

  6. لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، وكم صبر نبينا – صلى الله تعالى عليه وإخوانه وآله وسلم- وصابر، وداوى بالمداراة وهدى، كم أمهل عمر – رضي الله تعالى- صبيغاً؟ وكم أمهل علي – رضي الله تعالى عنه- الخوارج؟ وكم أمهل الإمام أحمد وغيره من الأئمة – رحمهم الله تعالى- من وقعوا في مخالفات أو بدع.

    وفي أيامنا: كم أمهل الشيخ الربيع مخالفي المنهج، إمهالا إلى درجة الإهمال، وهل بدَّع – هو وإخوانه- كل مخالف؟، وهذا مع كونه وفق الأصل، فيه الحرص على سلامة الخلق.

    وأنقل إليك قولاً قاله -حفظه الله تعالى- في إحدى تنبيهاته في معرض التحذير والرد على أبي الحسن المصري، ما نصّه‏: ‏«ألفت نظر العقلاء إلى مدى اللطف والاحترام اللذين بذلتهما لهذا الرجل في هذه الملاحظات عند كتابتها الأولى وصبري عليه من التاريخ المشار إليه بل من قبله من عام 1416هـ في سيّد قطب والإخوان المسلمين وعبد الرحمن عبد الخالق ثم عدنان عرعور والمغراوي من سنوات وهو سادر في المخالفات والمواجهات السرّية والعلنية، وإني لأظن أنه لا أحد يصبر على بلاء يعرفه ويستيقنه مثل صبري على هذا الرجل وأمثاله وأعوانه، فاللهم عفواً ومعذرة إليك‏» «انتقاد عقدي ومنهجي لكتاب ‏«السراج الوهاج‏» ص(33)

  7. قال فضيلة الشيخ عبيد بن عبد الله الجابري– رحمه الله تعالى‏: «والواجب على السنّي أن يَحفظ كرامة السنّي، الواجب على السلفي أن يصون السلفي، وأن يرعى كرامته، كما أنه لا يتابعه على زلته إذا زلت به القدم، فأهل السنَّة ينظرون إلى المخالفة كما ينظرون إلى المخالف.
    فالمخالفة يردونها ولا يقبلونها، لأنه قد يُخالف السلفي ما عند السلفي الآخر؛ قد يُخطئ؛ فالسلفي بَشر كغيره من سائر البشر. ثم ينظر أهل السنَّة كذلك إلى المخالف، فإن كان المخالف على السنَّة مُؤصلٌ عليها مَعرُوفٌ بالسير عليها، فإنه لا يُتابع على زلّته وتُحفظ كرامته، وإن كان من أهل البدع، فلا كرامة له عندهم

    ومن هنا نقول: على السلفيين؛ على أهل السنَّة أن يوّسعوا صدورهم لبعضهم، وأن يتناقشوا فيما حدث بينهم من خلافات، وأن يعرضوا ما عندهم مما هو مُختلفٌ فيه بينهم على من هو أقدر منهم من أهل العلم من الذين هم على السنَّة، بهذا تزول الخلافات وتجتمع الكلمة، ويتحد الصف ويتماسكون -إن شاء الله تعالى‏» اهـ من أجوبة الشيخ على أسئلة شبكة سحاب السلفية/ المجموعة الأولى، السؤال الأول، نقلا من كتاب «تحذير الخلان من أخطاء الشيخ صالح السدلان» لمانع بن محمد العجمي السلفي.

    وقال -حفظه الله تعالى- ما نصّه‏: ‏«فنحن لا نقبل الخطأ، ونبرّر لـه بأن هذا سَلَفي، الخطأ يُرَّد رداً علماً. إن أمكن مناصحة أخينا هذا السلفي بأن قوله في المسألة الفلانية خطأ هذا جميل، وإذا لم يُمكن بُيِّن بالدليل بأنه خالف في كذا لكن لا يُتعَامل مع السلفي مثل ما يتعامل مع أهل البدع، يُشنع عليه! السلفي لا يُشنَّع عليه، ولا يُحذَّر منه، ولا يُشَّد عليه شّدة تُضيّع كل جهوده وآثاره السلفية المباركة، فهذا في الحقيقة إفراط، وحيف– يعني ظلم- غير مقبول‏» نقلاً عن مذكرة ‏«تزكيات العلماء والمشايخ‏» ص(23).

  8. قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى: ‏«فالتكفير يختلف باختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع، ولا جاهل، ولا ضال يكون كافراً، بل ولا فاسقا، بل ولا عاصيا‏» «مجموع الفتاوى‏» (12/180).

  9. وسئل الشيخ أحمد بن يحي النجمي – حفظه الله تعالى‏: ‏«فيجب على طلاب العلم أصحاب المعرفة الذين عرفوا المنهج السلفي وعرفوا المناهج الأخرى؛ يجب عليهم أن يـبيّنُوا لغيرهم وأن يقولوا، وأن يتكلّموا وأن يُلقوا الخطب، وأن يُوَّضِحُوا في كل مقام، وفي كل مناسبة الحق؛ الذي يجب أن يتبع والباطل الذي يجب أن يترك ويجتنب؛ أما الذين سكتوا عن بيان الحق للناس فإنهم لا يُعذرون بسكوتهم، ولو قالوا: نحن لسنا معهم، فإنهم لا يُعذرون؛ حتى ولو قالوا: نحن لسنا مع أهل هذه الأحزاب الضَّالة عن طريق الحق؛ إلا أن ينكروا ما هم عليه من الضلال‏» «الفتاوى الجلية عن أسئلة المناهج الدعوية‏» ص(48-50) الطبعة الأولى – دار الآثار – اليمن.

  10. قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى – ما نصّه‏: ‏«الواجب التثبت أولا، ثم يتم مناقشة من نُقِلَ عنه الخبر أو الفكر، فإن أصَّر على الباطل فإنه يُكشَف ويُـبيّن حتى لا يغتّر الناس به، فالواجب التثبت أولا ثم المناقشة الثانية بين الإنسان وبين من نُقِلَ عنه هذا الخبر، ثم بعدها بيان الحق إن أصّر على ما هو عليه من باطل‏» شريط ‏«لقاء الشيخ ربيع بالشيخ ابن عثيمين‏».

  11. قال العلامة ابن باز ـ رحمه الله تعالى وطيّب ثراه‏: ‏«هذا العصر: عصر الرفق والصبر والحكمة، وليس عصر الشدّة. الناس أكثرهم في جهل، في غفلة وإيثار للدنيا، فلا بدّ من الصبر، ولا بدّ من الرفق؛ حتى تصل الدعوة وحتى يبلغ الناس، وحتى يعلموا. ونسأل الله للجميع الهداية‏» «مجموع فتاوى سماحته‏» (8/376) و(10/91).

  12. أكد شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- على أهمية الأمر بالسنة والنهي عن البدعة، وحذّر من سوء النية والانتصار للهوى، لما يؤديان إليه من إبطال العمل، وإشاعة الفرقة، وقبلهما غضب الرب، وإسقاط الأجر.

    فقال‏: ‏«والأمر بالسنة والنهي عن البدعة، هما أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهو من أفضل الأعمال الصالحة، فيجب أن يبتغى به وجه الله، وأن يكون مطابقًا للأمر، وفي الحديث من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر.

    فينبغي أن يكــون عالمًا بمــا يأمــر بـــه، عالمًا بما ينهى عنه، رفيقًا بما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه.

    فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم مع الأمر، فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم. وإن كان عالمًا ولم يكن رفيقًا، كان كالطبيب الذي لا رفق فيه، فيغلظ على المريض فلا يقبل منه، وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد، وقد قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام‏: ‏«فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى‏» سورة «طه‏» الآية (44).

    ثم إذا أمر أو نهى، فلابد أن يُؤذى في العادة، فعليه أن يصبر ويحلم، كما قال تعالى‏: {أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور } سورة «لقمان‏» الآية(17).

    وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

    فإن الإنسان عليه أولاً أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور، أو إقامة الحجة عليه.

    فإن فَعَلَ ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره، كان ذلك خطيئة لا يقبلها الله.

    وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء، كان عمله حابطًا، ثم إذا رُدّ عليه ذلك، أو أوذي، أو نسب إلى أنه مخطئ، وغرضه فاسد، طلبت نفسه الانتصار لنفسه، وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي.

    وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم، وما نُسـب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله.

    بل يغضبون على مَن خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن كان يوافقهم، وإن كان جاهلاً سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم، لا على دين الله ورسوله».

    ودعا شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- إلى سلامة النية، واتّباع الإحسان في مراتب الإنكار، مع جميع المبتدعة مهما غلظت بدعتهم، لقصد الإصلاح، فيقول‏: «وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم، إن لم يقصد فيه بيان الحق،

    وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم، لم يكن عمله صالحًا، وإذا غلظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد، ليحذرها العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا، والمقصود بذلك ردعه، وردع أمثاله، للرحمة والإحسان لا للتشفي والانتقام. وهذا مبني على مسألتين: ‏

    إحداهما: أن الذنب لا يوجب كفر صاحبه، كما تقوله الخوارج، بل ولا تخليده في النار ومنع الشفاعة فيه، كما يقوله المعتزلة.‏

    الثاني: أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول، لا يُكفَّر ولا يُفسَّق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل الاعتقاد فكثيــر من الناس كفّروا المخطئين فيهــا، وهذا القــول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يُعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة، ويكفّرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية‏» كتاب ‏«أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية‏».

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *